الخطيب الشربيني

468

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وأفضلهم قدرا شاهِداً عَلَيْكُمْ أي : بما تصنعون ليؤدّي الشهادة عند طلبها منه يوم ننزع من كل أمّة شهيدا وهو يوم القيامة كَما أَرْسَلْنا أي : بما لنا من العظمة إِلى فِرْعَوْنَ أي : ملك مصر رَسُولًا وهو موسى عليه الصلاة والسلام ، وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل . قال مقاتل : وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأنّ أهل مكة ازدروا محمدا صلى اللّه عليه وسلم واستخفوا به لأنه ولد فيهم ، كما أنّ فرعون ازدرى بموسى عليه السلام لأنه رباه ونشأ فيما بينهم ، كما قال تعالى حكاية عن فرعون : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [ الشعراء : 18 ] وذكر الرازي السؤال والجواب . قال ابن عادل : وهو ليس بالقوي لأنّ إبراهيم عليه السلام ولد ونشأ فيما بين قوم نمروذ وكان آزر وزير نمروذ على ما ذكره المفسرون ، وكذا القول في هود ونوح وصالح ولوط لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة أَخاهُمْ * لأنه من القبيلة التي بعث إليها انتهى . وقد يقال : الجامع بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام التربية ، فإنّ أبا طالب تربى عنده النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وموسى عليه السلام تربى عند فرعون ولم يكن ذلك لغيرهما . فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ إنما عرفه لتقدم ذكره ، وهذه أل العهدية والعرب إذا قدمت اسما ثم أتوا به ثانيا أتوا به معرفا بأل أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو : رأيت رجلا فأكرمت الرجل أو فأكرمته ، ولو قلت فأكرمت رجلا لتوهم أنه غير الأوّل . وقال المهدوي : ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدّم ذكره ولذا اختير في أوّل الكتب سلام عليكم وفي آخرها السلام عليكم . ثم تسبب عن عصيانه قوله تعالى : فَأَخَذْناهُ أي : فرعون بما لنا من العظمة ، وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله تعالى : أَخْذاً وَبِيلًا أي : ثقيلا شديدا ، وضرب وبيل وعذاب وبيل ، أي : شديد قاله ابن عباس ومجاهد ، ومنه مطر وابل ، أي : شديد قاله الأخفش . وقال الزجاج : أي : ثقيلا غليظا ومنه قيل للمطر وابل ، وقيل : مهلكا . والمعنى : عاقبناه عقوبة غليظة ، وفي ذلك تخويف لأهل مكة . ثم خوّفهم بيوم القيامة فقال تعالى : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ أي : توجدون الوقاية التي تقي أنفسكم إذا كفرتم في الدنيا ، والمعنى : لا سبيل لكم إلى التقوى إذا رأيتم القيامة . وقيل : معناه : فكيف تتقون العذاب يوم القيامة إذا كفرتم في الدنيا . وقوله تعالى : يَوْماً مفعول تتقون أي : عذابه أي : بأي حصن تتحصنون من عذاب الله يوم يَجْعَلُ الْوِلْدانَ وقوله تعالى شِيباً جمع أشيب ، والأصل في الشين الضم وكسرت لمجانسة الياء ، ويقال في اليوم الشديد : يوم يشيب نواصي الأطفال ، وهو مجاز ، ويجوز أن يراد في الآية الحقيقة والمعنى : يصيرون شيوخا شمطا من هول ذلك اليوم وشدّته وذلك حين يقال لآدم عليه السلام قم : فابعث بعث النار من ذريتك ، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم فيقول : لبيك وسعديك - وفي رواية والخير بين يديك - فينادى بصوت إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ، قال : يا رب وما بعث النار . قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 2 ] فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم ، قالوا : يا رسول الله أينا ذلك الرجل ؟ فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أبشروا ، فإنّ من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد ، ثم قال : أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وفي رواية كالرقة في ذراع الحمار -